|
قبل 4 أعوام قال الدكتور نبيل عيراني في تشييع شقيقه الشهيد المهندس رمزي عيراني: "حذار ثم حذار التضليل في معالم الجريمة النكراء واستكتاب قصة جديدة تؤمّن مخرجا لائقا لجميع المعنيين". أما اليوم، وفي السنة الأولى التي يشارك فيها رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع في ذكرى عيراني بعد خروجه من السجن، يبدو الطوق أشد إحكاما حول الأجهزة الأمنية التي عملت في ظل النظام السابق لأن "ما من خفي الا وسيظهر".
4 أعوام على اغتيال رئيس دائرة الجامعة اللبنانية في مصلحة طلاب "القوات اللبنانية" هل بدأ النظام الأمني سلسلة جرائمه المعروفة بتصفية رمزي عيراني؟ عدوان: التحقيق استجمع معطيات لم يتابعها وهذا غير مفهوم وغير مقبول تحقيق طوني أبي نجم قصة خطف رئيس دائرة الجامعة اللبنانية في مصلحة الطلاب في "القوات اللبنانية" المهندس رمزي عيراني واغتياله في أيار 2002 لم تكن يوما مشابهة لحالات أخرى، لكنها باتت تُقرأ اليوم من زاوية نمط عمل الأجهزة الأمنية في النظام السابق من حيث قدرتها على اتخاذ القرار بتصفية كل من يصل في حركته الى حد ازعاجها وازعاج نظام الوصاية الذي كان مهيمنا. هذه القراءة التحليلية واضحة بالنسبة الى جرائم الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي ضربت لبنان، بدءا من محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة في 1 تشرين الأول 2004، وصولا الى اغتيال الشهيد جبران تويني في 12 كانون الأول 2005، مرورا باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما واغتيال كل من سمير قصير وجورج حاوي ومحاولتي اغتيال الوزير الياس المر والاعلامية مي شدياق. لكن العودة بالذاكرة قليلا تكشف أن عيراني كان الضحية الأولى ضمن سلسلة الجرائم المتمادية هذه. فالناشط القواتي كان من أبرز الناشطين الطالبيين والنقابيين المعارضين للنظام القائم آنذاك، لا بل ان عيراني تمكن من تأطير العمل النقابي القواتي في نقابة المهندسين تأطيرا فعالا أدى الى وجود مهندسي "القوات" كعمود فقري في أي تحالف انتخابي في النقابة، وهذا ما جعل المهندس عماد واكيم يتولى منصب أمين سر النقابة فترة غير قصيرة. وعيراني نفسه أعطى زخما لافتا للعمل الطالبي المعارض، والذي شكل طلاب "القوات اللبنانية" عصبة الأساسي، وخصوصا في الفروع الثانية للجامعة اللبنانية التي كانت مهددة بالالغاء والتذويب لو لم يتصد لهذين الامرين عيراني ورفاقه. وبالعمل الجدي الدقيق والمنظم والهادف استطاع عيراني أن يشكل قوة حشد جماهيرية عصبها طلاب الجامعة اللبنانية لكل النشاطات القواتية، وفي طليعتها النشاطات المطالبة بـ"اخراج سمير جعجع فورا ومن دون قيد أو شرط من سجنه، لأن لا وفاق وطنيا من دونه" كما كان يطالب دائما. وبعد فوز مميز في نقابة المهندسين نتج من تحالف "القوات" مع "تيار المستقبل" وعدد من الحلفاء على حساب خروج ممثل "حزب الله" من هذا التحالف، جاء العام 2002 ليحفل بالنشاطات المطالبة بخروج قائد "القوات" من معتقله. وأوج هذه النشاطات والتحركات كان خلال شهر نيسان مع اعتصامات في عدد من كليات الفروع الثانية، أبرزها كان في كلية الحقوق والعلوم السياسية. أما التحرك الأبرز فكان مع أمسية الصلاة واضاءة الشموع على نية جعجع والتي شارك فيها أكثر من سبعة آلاف طالب وطالبة. كل هذه العوامل، اضافة الى حجم التحرك المتزايد لـ"القوات اللبنانية" على كل المستويات جعلت عيراني مصدر ازعاج كبير لسلطات الوصاية وأجهزتها وعملائها مما اقتضى اتخاذ القرار بارتكاب الجريمة. تنفيذ متقن وبعد تخطيط كاف بدأ التنفيذ عصر الثلثاء 7 أيار 2002 في المنطقة المحيطة بمركز عمل عيراني في كليمنصو. غادر مكاتب شركة "توتال" حيث كان يعمل متوجها الى قرب فندق "فينيسيا"، حيث كان يفترض أن ينقل شقيقة زوجته قبل أن يلتقي رفاقا من المهندسين في اجتماع تحضيري لحفل تكريم لنقيب المهندسين في حينه سمير ضومط، والذي كانت ولايته الأولى تشارف نهايتها. أما موعده المسائي فكان مع العائلة وطفلته ياسمينا التي كانت تنتظره لإطفاء شمعة ميلادها الخامس. وبعد خروجه من مكاتب الشركة في سيارته "بولو كلاسيك" السوداء اللون، فُقد الاتصال برمزي. انتظرت شقيقة زوجته، ولما طال الانتظار اتصلت به على هاتفه الخلوي فوجدته خارج الاستعمال، وهذا ليس من عادات رمزي. بدأت دائرة القلق تتسع وتزداد مع مرور الوقت، والعائلة والأصدقاء أدركوا بعد مرور 24 ساعة على غيابه أن الأمر مختلف هذه المرة عن عشرات المرات التي كان يتم فيها "جلبه" الى التحقيق. كل الاتصالات بالأجهزة الأمنية والمراجع القضائية المختصة أثمرت تسويفا غريبا في الموضوع وتهربا من المسؤولية. أما المفارقة الكبرى فجاءت من مدعي عام التمييز في حينه القاضي عدنان عضوم، الذي أعلن في مؤتمر صحافي بعد نحو 48 ساعة من على اختفاء عيراني: "ان اختفاء شخص لأسباب أمنية يعني أنه يجب أن يكون لدى الأجهزة الأمنية، ولا يحق لها بالتالي أن تأخذه الا بعد سؤال النيابة العامة بوجود واقعة معينة في حقه، سواء أكان كتاب معلومات أم إخبارا يستدعي التحقيق معه. وما ظهر حتى الآن هو أن الأجهزة الأمنية أجابت أنه غير موجود عندها. ففي المبدأ أن عيراني لا يخضع لتحقيق قضائي على الأقل ظاهريا"! والغريب أن عضوم استعمل أكثر المفردات ابهاما فلم يستخلص أحد المعنى المقصود: هل رمزي عيراني موجود لدى الأجهزة أم لا؟ فبعد 48 ساعة من اختطافه لم يستطع عضوم حسم الاجابة عن هذا السؤال! وهذا الأمر عايشته عائلة عيراني مع الايحاءات التي كان يتولى المحققون ايصالها لهم، ومفادها: هدئوا الأمور كي نستطيع ايجاده. بما يوحي وكأنهم كانوا يعرفون جيدا الجهة التي اختطفت المهندس القواتي. جريمة مروعة... ولا تحقيق! ومرت الأيام ثقيلة على اللبنانيين الذين تابعوا باهتمام بالغ قصة عيراني، وخصوصا على عائلته ورفاقه القواتيين ومن بقية الأحزاب التي كان رمزي يتولى التنسيق معها. العائلة تحركت في كل الاتجاهات السياسية والقضائية. تحركات شعبية بالجملة وسيل مواقف منددة بالخطف تطالب السلطات بتحمل مسؤولياتها. أما السلطات القضائية فتتسلّح بعبارات فارغة: "التحقيق مستمر... ثمة خيوط ومعطيات... نعد الرأي العام بإطلاعه على النتائج..." وفي المقابل لا يتجه التحقيق الا في اتجاه رفاق رمزي وأصدقائه! حتى أبسط أساليب التحقيق، عبر سؤال أصحاب المحال والسكان والعاملين في المنطقة التي اختطف منها عما اذا كانوا شاهدوا أو سمعوا شيئا، لم تُستعمل، ولجأ رفاق رمزي الى ذلك على رغم عدم تجاوب المواطنين معهم. وفجأة يطرأ تطور بارز ومقلق: رفاق لرمزي يتلقون اتصالات هاتفية تدلهم على مكان وجود سيارته. الاتصالات الأولى كاذبة بحسب قوى الامن ومصدرها هواتف عمومية. الى أن يأتي اتصال بعد ظهر 20 أيار ينبئ بوجود السيارة في محلة كاراكاس في بيروت. ويصح الخبر: سيارة "البولو" السوداء مركونة الى جانب الطريق وبداخل صندوقها رمزي عيراني جثة هامدة بعدما تمت تصفيته قبل خمسة أو سبعة أيام! هكذا تتكشف وقائع جريمة منظمة بدرجة كبيرة من الاحتراف في زمن الأمن الممسوك الى أقصى الدرجات: رمزي يختطف مع سيارته في أكثر المناطق التي تتخذ فيها اجراءات أمنية في قلب العاصمة. ينقلان الى مكان "آمن". يبقى عيراني قيد الاحتجاز نحو أسبوع، ثم تتم تصفيته وينقل الجناة بدم بارد جثته في صندوق سيارته، التي يفترض أنها موضوع بحث مستمر من كل الأجهزة الأمنية العاملة في لبنان. تركن السيارة على الطريق العام. تجرى الاتصالات الهاتفية برفاقه. يتم العثور على السيارة وتتولى الأجهزة الأمنية اخفاء أي أثر للجناة: يكسر الزجاج الى يسار السائق لتفتح السيارة ويضيع أي أثر قد يكون تركه السائق، ويجري التعامل مع مسرح الجريمة بأعلى درجة من الخفة الممكنة. أما النتيجة فواحدة: تيتّم جاد وياسمينا، ترمّلت جوسلين عيراني وفقدت ايميه فلذة كبدها ونبيل ونايلة الأخ العزيز. كما فقدت "القوات اللبنانية" أحد أبرز كادراتها ووجوهها الناشطة في مرحلة اعتقال قائدها. أما مرحلة ما بعد اتضاح الجريمة المروعة على صعيد التحقيقات فمثلها مثل كل الجرائم في لبنان التي لا يراد لها أن تكشف تفاصيلها أيام سيطرة النظام السوري فتصبح عمليا الجهة المنفذة التي يراد اخفاؤها معلومة، والحقيقة التي يراد طمسها واضحة المعالم. وهذا ما سعت اليه الأجهزة الأمنية القضائية بقوة محاولة تشويه صورة رمزي الزوج والأب عبر تسريبات متعمدة لاأخلاقية وعبر محاولات مباشرة لتدمير معنويات زوجته جوسلين، مما يضع محاولات هذه الأجهزة ومن تولى التحقيق في قفص الاتهام بتهمة تضليل التحقيق، وخصوصا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع. لا بل ان تضليل التحقيق بلغ ذروته مع تقدم شاهد يدعى فوزي زهر الدين بافادة عن مشاهدته تفاصيل عملية الاختطاف، فاذا به يحتجز في وزارة الدفاع مع زوجته بتهمة اختلاق رواية كاذبة، وتختفي أخباره نهائيا بما يوحي أنه كان مطلوبا عدم وجود أي شاهد الا اذا كان لا يعرف شيئا! فحتى الكشف بأن الخلوي الخاص برمزي تم تشغيله مرتين بعد اختطافه من منطقة محددة، قد يكون بهدف التضليل، الا أن هذا المعطى أغفله التحقيق أو على الأقل تعمد عدم السير به حتى النهاية. مع الاشارة الى أنه كان في امكان شركة الخلوي المشترك فيها عيراني أن تحدد منطقة وجود هاتفه ولو كان مقفلا، بفضل التقنيات الحديثة. لكن كل ذلك اغفل. رمزي عيراني لم يكن الشهيد الأول الذي تقدمه "القوات اللبنانية" أيام السلم المزعوم. اذ سقط قبله في ظروف لم تكن الميلشيات قد سلمت أسلحتها بعد عدد من الشهداء. وفي السلم سقط فوزي الراسي شهيد التعذيب المتمادي في أقبية سجن وزارة الدفاع يوم اعتقال سمير جعجع في 21 نيسان 1994. لكن استشهاد عيراني حمل دلالات مختلفة. فهو لم يحمل السلاح يوما، وكان مؤمنا بالحرية والديموقراطية كما يصفه جميع عارفيه. لا بل كان أيضا يؤمن بالدولة اللبنانية وبأجهزتها. ولهذا كان يستجيب لكل "استدعاءاته" الى التحقيق. لا بل كان يبادر الى الاتصال بالأجهزة، وخصوصا مخابرات الجيش اللبناني التي كانت تتولى مراقبته عن قرب ليعلمهم بوجود سيارات تلاحقه ويعطيهم مواصفاتها وأرقامها، لأنه كان مؤمنا أنها مسؤولة عن حمايته وحماية كل مواطن لبناني. لذلك شكّل اغتيال عيراني اغتيالا لهذا الايمان بهذه الدولة وتلك الأجهزة التي انكشف أمرها واتضح أنها الجلاد والمجرم وليست الحامي. نحو كشف الحقيقة نائب رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" النائب جورج عدوان يقول: "لا شك في أن رمزي عيراني كان شخصا ناشطا جدا على الصعيد السياسي وكان فاعلا ومحبوبا جدا. واغتياله جاء في أيام السلم، وفي مرحلة كانت السلطة المسيطرة تتمتع بمقومات مهمة حتى تعرف من ارتكب الجريمة. هذا هو الواقع الذي كان قائما بعيدا من مبدأ الظن. ونضيف أن ثمة خيوطا في التحقيق، وهذا ما سمعناه من المراجع المختصة التي راجعناها لأن التحقيق سري كما هو معروف، ما يعني أن التحقيق استجمع معطيات ولم يتابعها، وهذا أمر غير مفهوم وغير مقبول. وما هو أكيد أننا كـ"قوات لبنانية" لا يمكن أن نرتاح الا عندما يجلو القضاء معالم هذه القضية. حتى اليوم تحركنا في اتجاه وزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى، وسأجتمع بمدعي عام التمييز. فنحن نعتبر أنه في المرحلة الأولى بعد الاغتيال تحرك القضاء، ولكن منذ ثلاثة أعوام على الأقل لم يتحرك شيء. لذلك نحن في حاجة لإعطاء دفع جديد لينطلق التحقيق مجددا. لقد رأينا الملف على الرف، ودورنا الأساسي هو في مراجعة السلطات القضائية حتى تستمر الأمور في سياقها الطبيعي من اجل ايلاء القضية الأهمية التي تستحقها. والخطورة في هذه الجريمة أن رمزي بقي مخطوفا مدة 13 يوما، وحين وجد كان قد مر على اغتياله أقل من أسبوع مما يضع هذه الجريمة في اطار الجرائم المنظمة، ما يزيدها خطورة. فخطفه تم في وضح النهار واغتياله ووضع جثته في سيارته وما ترافق مع ذلك من اتصالات هاتفية، كلها امور تشير الى عدد كبير من المشاركين والمنظمين والعارفين بهذه الجريمة، الأمر الذي يدفع الى التعامل معها كجريمة منظمة مع كل ما يستتبع ذلك من نتائج". ويضيف: "من عناصر قيام الدولة التي نريدها قوية وعادلة أن يتم اكتشاف كل الجرائم حتى لا تتكرر، فنضع حدا لهذا النوع من الجرائم التي يتضح أن اطارها سياسي. لذلك اذا لم نكتشف مرتكبيها لا يمكن أن نضع حدا لها. ولا يمكن أن نقبل بعد اليوم بسقوط شهداء أيام السلم. هذا ينطبق على كشف الحقيقة في قضية اغتيال الشهيد رمزي عيراني، كما ينطبق أيضا على معرفة من اغتال الشهيد جبران تويني وجميع الشهداء الذين سقطوا أيام السلم. يجب تحديد القتلة والمجرمين، لأن عدم معرفتهم يجعل الوطن دائما في مهب الاجرام بحق كل انسان يتوق الى الحرية. فنضال هؤلاء الشباب مثل رمزي ورفاقه هو الذي أوصل الى "ثورة الأرز" وأتاح لنا أن نتمتع باستقلالنا وحريتنا وسيادتنا". • • • ... ويبقى أنه اذا كان لرمزي عيراني أن يرتاح بين الشهداء اليوم، لأن نضاله، الذي هدف الى تحرير لبنان من الاحتلال السوري والى تحرير سمير جعجع من سجن الوصاية قد أثمر، فان رفاق عيراني لن يستكينوا ولن يهدأ لهم بال قبل كشف حقيقة اغتياله وجميع المتورطين فيها. وثمة اجماع لدى قسم كبير من الرأي العام المتابع لهذه القضية على أن خيط الحقيقة قد يظهر في حال استجواب رموز النظام الأمني والقضائي اللبناني-السوري السابق والذين كانوا قيمين عليه. |